fbpx

الشطر الثالث من «سورة الكهف» (في رحاب التربية الإسلامية)

الوضعية المشكلة:

بعد أن بين الله تعالى في الآيات السابقة عاقبة الأنانية والكبر والغرور من خلال قصة صاحب الجنتين، يذكرنا تعالى في هذه الآيات بعظمته وقدرته على البعث، وبطلان حجج الجاحدين الذين يتخذون من إبليس اللعين القدوة المتبعة، كما يرشدنا إلى إتباع ما نزل في القرآن الكريم وما جاء به المرسلون من التعاليم الهادية إلى الحق.

  • فكيف بينت الآيات بطلان حجج الجاحدين؟
  • وما التوجيهات الإسلامية الهادية إلى طريق الحق كما وردت في الآيات؟

بين يدي الآيات:

قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

﴿المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ وَيَومَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وَتَرَى الأَرضَ بارِزَةً وَحَشَرناهُم فَلَم نُغادِر مِنهُم أَحَدًا ﴿٤٧﴾ وَعُرِضوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَد جِئتُمونا كَما خَلَقناكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ بَل زَعَمتُم أَلَّن نَجعَلَ لَكُم مَوعِدًا ﴿٤٨﴾ وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرَى المُجرِمينَ مُشفِقينَ مِمّا فيهِ وَيَقولونَ يا وَيلَتَنا مالِ هـذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلّا أَحصاها وَوَجَدوا ما عَمِلوا حاضِرًا وَلا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾ وَإِذ قُلنا لِلمَلائِكَةِ اسجُدوا لِآدَمَ فَسَجَدوا إِلّا إِبليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِياءَ مِن دوني وَهُم لَكُم عَدُوٌّ بِئسَ لِلظّالِمينَ بَدَلًا ﴿٥٠﴾ ما أَشهَدتُهُم خَلقَ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَلا خَلقَ أَنفُسِهِم وَما كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلّينَ عَضُدًا ﴿٥١﴾ وَيَومَ يَقولُ نادوا شُرَكائِيَ الَّذينَ زَعَمتُم فَدَعَوهُم فَلَم يَستَجيبوا لَهُم وَجَعَلنا بَينَهُم مَوبِقًا ﴿٥٢﴾ وَرَأَى المُجرِمونَ النّارَ فَظَنّوا أَنَّهُم مُواقِعوها وَلَم يَجِدوا عَنها مَصرِفًا ﴿٥٣﴾ وَلَقَد صَرَّفنا في هـذَا القُرآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الإِنسانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلًا ﴿٥٤﴾ وَما مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤمِنوا إِذ جاءَهُمُ الهُدى وَيَستَغفِروا رَبَّهُم إِلّا أَن تَأتِيَهُم سُنَّةُ الأَوَّلينَ أَو يَأتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا ﴿٥٥﴾ وَما نُرسِلُ المُرسَلينَ إِلّا مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ وَيُجادِلُ الَّذينَ كَفَروا بِالباطِلِ لِيُدحِضوا بِهِ الحَقَّ وَاتَّخَذوا آياتي وَما أُنذِروا هُزُوًا ﴿٥٦﴾ وَمَن أَظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعرَضَ عَنها وَنَسِيَ ما قَدَّمَت يَداهُ إِنّا جَعَلنا عَلى قُلوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهوهُ وَفي آذانِهِم وَقرًا وَإِن تَدعُهُم إِلَى الهُدى فَلَن يَهتَدوا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾ وَرَبُّكَ الغَفورُ ذُو الرَّحمَةِ لَو يُؤاخِذُهُم بِما كَسَبوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَل لَهُم مَوعِدٌ لَن يَجِدوا مِن دونِهِ مَوئِلًا ﴿٥٨﴾ وَتِلكَ القُرى أَهلَكناهُم لَمّا ظَلَموا وَجَعَلنا لِمَهلِكِهِم مَوعِدًا ﴿٥٩﴾ وَإِذ قالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبرَحُ حَتّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا﴾.

[سورة الكهف، من الآية: 45 إلى الآية: 59]

قراءة النص القرآني ودراسته:

I – دراسة النص القرآني:

1 – القاعدة التجويدية: أحكام المد:

المد: لغة: الزيادة أو الإكثار أو التطويل، واصطلاحاً: إطالة الصوت بحرف من حروف المد الثلاثة عند ملاقاة همزة أو سكون، وحروف المد ثلاثة، هي:

  1. الألف الساكنة المفتوح ما قبلها:  َ ا
  2. الواو الساكنة المضموم ما قبلها:  ُ و
  3. الياء الساكنة المكسور ما قبلها:  ِ ي

ينقسم المد إلى قسمين:

  1. المد الطبيعي أو الأصلي: هو إطالة الصوت مقدار حركتين بحرف من حروف المد الثلاثة (ا ـ و ـ ي) مع شروطها دون أن يليه همز أو سكون. نحو: ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾.
  2. المد الفرعي: وهو ما زاد على المد الأصلي، ويكون بسبب اجتماع حرف المد بهمز بعده أو سكون، وأنواعه كثيرة.

II – نشاط الفهم وشرح المفردات:

1 – شرح المفردات والعبارات:

  • مشفقين: خائفين مرتجفين لما رأوا من أعمالهم.
  • ويلتنا: هلاكنا.
  • أحصاها: عدها وأثبتها.
  • ففسق عن أمر ربه: حاد عن الطريق المستقيم.
  • عضدا: أعوانا وأنصارا.
  • موبقا: مهلكا / حاجزا ومانعا.
  • فظنوا: تيقنوا وعلموا.
  • مواقعوها: واقعون فيها لا محالة.
  • صرفنا: بينا ووضحنا.
  • قبلا: أنواعا أو عيانا / ومواجهة.
  • ليدحضوا به الحق: ليدفعوه ويمنعوه من الانتشار.
  • أكنة: حواجز وموانع لجحودهم وعنادهم.
  • وقرا: صمما وثقلا في السمع.
  • موئلا: ملجأ ومخلصا.
  • لمهلكهم: لهلاكهم.

2 – المعنى الإجمالي الشطر القرآني:

  • مثل الحياة الدنيا: المال والبنون جمال ومتعة للناس في الحياة الدنيا ولكن لا دوامٍ لشيءٍ منها، وقد بين الله تعالى ما هو الباقي، فقال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾، فإن الأعمال الصالحةَ التي تنفع الناس، وطاعة الله خير عند الله يُجزل ثوابها، وخير أمل يتعلق به الإنسان.
  • تسيير الجبال والحشر وعرض صحائف الأعمال يوم القيامة: يخبر الله تعالى عن أهوال القيامة وما فيها من الأمور العظام، وتغير معالم الأرض والحشر، والعدل المطلق في رصيد أعمال الناس جميعا بكتب في صحائف شاملة، يتبين منها أن أساس النجاة هو إتباع ما أمر به الدين، وترك ما نهى عنه.
  • قصة السجود لآدم عليه السلام: تنبيه لبني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، وتقريع لمن اتبعه منهم، وخالف خالقه ومولاه.
  • بيان القرآن ومهمة الرسل وظلم المعرض عن الإيمان وسبب تأخير العذاب لموعد معين: بيان كثرة الأمثال في القرآن لمن تدبر فيها،لكن الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة، فهددهم تعالى على عدم الإيمان متسائلا: هل هناك مانع يمنعهم من الإيمان إلا نزول عذاب الاستئصال، أو مجيئه عيانا؟. وأبان أن مهمة الرسل هي تبشير المؤمنين بالجنان وإنذار العصاة بالنار، وأوضح أن أشد الناس ظلما هو المعرض عن هداية القرآن، ولله الفضل العظيم في تأخير العقاب عن الناس، وتخصيصه بموعد، لا يتجاوزه، لعلهم يثوبون إلى رشدهم.

3 – المعاني الجزئية للشطر القرآني:

المقطع الأول: الآية: 45:

  • بيانه تعالى أن المال والبنون زينة الإنسان في الحياة الفانية، والعمل الصالح زينته في الجنة الخالدة.

المقطع الثاني: من الآية: 46 إلى الآية: 48:

  • تصف هذه الآيات بعض أهوال يوم القيامة وحال الجاحدين عند اطلاعهم على كتاب أعمالهم.

المقطع الثالث: من الآية: 49:

  • تذكير الله تعالى بني آدم بعداء إبليس لهم واستنكاره من اتخاذه وذريته أولياء من دون الله.

المقطع الرابع: من الآية: 50 إلى الآية: 52:

  • خيبة المشركين وخذلانهم من معبوداتهم الباطلة، وتيقنهم من مُواقعة النار والولوج فيها.

المقطع الخامس: من الآية: 53 إلى الآية: 54:

  • إرشاد الله الناس بكل السبل إلى الهداية رغم كثرة المعرضين عنها بسبب آفة الجدال، وأَن يقينهم في العذاب لا يكون إلا عندما يروا عذاب الدنيا أو الآخرة.

المقطع السادس: من الآية: 55 إلى الآية: 56:

  • معاندة الكافرين للمرسلين، ومجازاتهم من الله بصم آذانهم عن إتباع الحق جزاء لهم على إعراضهم.

المقطع السابع: من الآية: 57 إلى الآية: 59:

  • تأجيل العذاب إلى يوم الحساب رحمة منه تعالى، وبيانه أن الهلاك في الدنيا لا يكون إلا للظلمة من عباده.

III – استخلاص الأحكام والعبر والقيم المستفادة من الشطر القرآني:

1 – الأحكام والعبر المستفادة من الآيات:

  • المال والبنون زينة وحرث الدنيا، والأعمال الصالحة زينة وحرث الآخرة.
  • على المسلم أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى، فالباقي دائم والفاني زائل.
  • تلبية دواعي المعصية بمثابة اتخاذ إبليس وذريته أولياء.
  • الهداية تقبل على من يقبل عليها، وتصد نفسها عن من صدها.
  • سلامة القلب من العناد من أهم أسباب تيسير الهداية.
  • من رحمة الله بالناس تأخير العذاب حتى يراجع العاصي نفسه.

2 – القيم المستفادة من الآيات:

  • إيثار الآخرة على الدنيا.
  • اتقاء شر العدو باجتنابه.
  • تجنب العناد لمن طلب الرشاد.
  • الإصرار على الباطل يُورث إعراض وعذاب الجبّار القاهر.